أصبح طفلي المدلل نازك ضمرة
الفصل 6 من رواية جديدة بعنوان (ظلال مسافرة)
لم يعجبني الشراب أو ما يسمونه عصير تفاح، خصتني المضيفة بكأس كبيرة، وأتت لي بمناديل ورقية زائدة، سألتني إن كنت بحاجة إلى شيء، شكرتها، فقالت إن لم ترغبي بمتابعة الفيلم، فمن الممكن أن آتيك بصحيفة أردنية أو أمريكية، قلت لها الأمر سيان، على كل حال ستكون أخبار الأمس، ابتسمت، فكرت قليلاً، ثم انسحبت.
في عصر يوم صيفي حار ، وتحديداً في يوم الاثنين من أوائل شهر أغسطس آب ، انتظرت حتى خفت شدة حرارة النهار ، وطالت ظلال البيوت والعمارات الصغيرة في شارع المهاجرين، ارتديت فستانا خفيف القماش واسعا من أسفله، كان ذا لون ليموني فاتحً، وتزينه أوراق أشجار الليمون شديدة الخضرة مع أغصان ليمون كثيرة الأزهار والثمار، وحين قابلني أكاد أقول أن نظرات عيني زكي التصقت بليمون ردائي، تمايلت أغصان بستان الليمون المزدهر على المساحة الفضفاضة، المعطف الصيفي الخفيف الذي كنت أرتديه يخفي ذراعيّ، لأن الفستان الذي أرتديه بأكمام قصيرة جداً، لطبيعة الحياء فيّ، ولغريزة الشك التي لم تفارقني حتى بعد سن الستين، إذ لا يسهل على أحد أن يدخل الطمأنينة أو القناعة إلى نفسي، وتلك مشكلة أخرى أخشى أن تكون في الكثير من الناس مثلي
قال ابن عمتي وكان في مثل عمري تقريباً
- هذه فهيمة التي كلمتك عنها يا زكي. قلت في نفسي (ما أتعسه! ماذا قال له عني؟)
- هذا ابن عمنا زكي يا فهيمة ، هل سمعت عنه من قبل؟ أنهى دراسته الثانوية بنجاح، وسيعمل في وظيفة حكومية. إنه يزور عمان وها أنا أصحبه لأدله على بيتكم، إنه يريد السلام على إخوانك والتعرف عليهم. واعلمي إنه غير مقيم في الضفة الشرقية، بل في قريتهم في فلسطين.
غمغمت كلاماً، ولا أذكر هذه اللحظة ماذا نطقت أو إن ما فكرت فيه غاص في أعماقي، لأن أمره لا يعنيني، لكنني أؤكد أنه لم يسمع شيئا مما قلت، هززت رأسي ببرود، ابتسمت كعادتي حين أبدأ حديثاً مع أي شخص، لم أتضايق من سلامي على زكي، وكيف تتضايق فتاة في السادسة عشرة من شاب معتدل القامة نحيف غير قصير، كان أطول مني وأطول من ابن عمتي.
تسحرني عمان بجبالها وببيوتها المتشبثة في جنباتها من كل اتجاه، برغم السمنة التي تغلب على تلك الشابة، يتعلق أطفالها الثمانية بها، تحمل اثنين على حضنها، واثنان يمسكان بأي جزء من بدنها أو ردائها القديم الخفيف، وأربعة أمامها أو وراءها أو على جانبيها، وأقدر عمر أكبرهم عشر سنوات، والقادم ربما أعظم، شدّت إحدى بناتها رداء أمها لتمسك بها، تظهر تفاصيل جسدها الذي تضخم حين جذبت رداءها، ربما من كثرة أكل الخبز والبطاطا والأرز والشحوم التي لا يريدها المترفون، ردفان منفصلان عريضان مرسومان بوضوح، وتلكما كتفان كأنهما وسادتان ، وثديان ما زالا ينمان على الصحة والقدرة على العطاء، تملأ شارع السيارات هي وأطفالها، عمان ساحرة ، ولو كنت مكاني لوقفت طويلاً أمام كل جبل في عمان تتأملها ومبانيها ، تتضخم وتبرز تفاصيها من كل مكان، والبيوت تتمسك بالجبال كتشبث أطفال المرأة البدينة الطويلة الولود، أحبها عمان، تغيرت عمان، تنمو وتزدحم وتصخب، حماها الله من التعهر والتسول والتبذير والتطاول، تزداد المتاجر والحوانيت في كل ركن وكل زقاق، عيون عمان لا تدمع، لكن سيلها لا يتوقف عن الجريان، تتجمد حواسها أحياناً وترتعد، تتراقص أحياناً أخرى وتفرح ، تصبح حارتنا كخلية نحل في الخمسينيات من القرن العشرين، كان حي المهاجرين هادئاً قليل السكان يعرف كل فرد فيه كل فرد آخر، وليس به سوى متجرين صغيرين، يقع منزلنا وسط المسافة بين قمة جبل عمان وبين سيل عمان التاريخي.
، قال زكي
- كيف حالك يا فهيمة! سعيد للتعرف على ابنة العمومة، حدثني سليمان كثيراً عنك.
تمنيت أن يكون لديّ الجرأة وقتها والمجال لأسأل زكي عما قاله سليمان عني، لكنني أهمّ بتركهما أو يتركاني أواصل طريقي على طريقتي. مرة واحدة فقط تلاقت عيناي مع عيني زكي، أرخيت جفني بسرعة، تزوغ عينا زكي بعيداً، ثم يسترق النظر إلى عنقي أو أطراف شعري الذي كان أغلبه محبوساً تحت منديل صغير، يتجه بأنظاره ثانية يتأمل بستان الليمون على الفستان. لم أكره زكي وقتها، التقت أعيننا وربما تخاطبتا، كنت بلهاء جاهلة، أو انني ما زلت هكذا، لكن الأهم قرأت في عينيه طيبة وأمناً وسلاماً، مع أنني لم أكمل إلا الصف السادس الابتدائي في المدرسة إلا أنني عملت على متابعة قراءة القصص والروايات والمجلات، ومشاكل النساء والزواج والبنات والحب والحلول المقترحة في مجلة "حواء" المصرية أو من المجلات اللبنانية التي كان يأتي بها شقيقي شريف.
كنت محتاجةً لخيوط من صوف كي أنسج سترة دافئة لشقيقي قبل حلول فصل البرد، لكثرة أوقات الفراغ التي كنت أحسّ بها في النهار وفي المساء، لا يعجبني الجلوس طويلا مع نساء إخواني، وبصراحة لا يرقن لي كلهنّ، وأحياناً أتضايق منهن لدرجة الكراهية، وتمنيت في أوقات أخرى لو يستمع إخواني لي لتطليقهن، ولإعادة التزوج ثانية من نساء أرقى فكراً وعقلاً، حتى أخي الأعزب كان يشاركني وجهة نظري، ولم نكن نصرح لهم بذلك، بل كنا نتحدث بعد صلاة العشاء في غرفتنا عن مثل تلك الأحاديث، أو حين نجلس وحيدين بعد وفاة والدتي تحت الدالية التي تغطي الشرفة، كان حديثنا يقترب من الهمس.
انحدرت من منزلنا الذي يقع في سفح جبل عمان الجنوبي، وكان الجو شديد الحرارة في ذلك اليوم، والطريق من منزلنا حتى الشارع العام أدراج وأزقة ضيقة فيها خطورة شديدة الانحدار، وما إن وصلت طريق السيارات حتى صرت أمشي في ظلال البيوت اتقاء أشعة الشمس، وكعادتي قليلاً ما أرفع رأسي إلا إذا أردت تأمل شيء جلب انتباهي أو كنت أبحث عن مكان أوتأمل حدث طارئ أمامي، لم أنتبه لسليمان قريبنا ورفيقه الأقرب له، وإلا كنت تنحيت جانباً مبتعداً عن طريقهما مبتعداً، أو قد تستغرب إن قلت إنني قد أعود إلى البيت، وأؤجل الحصول على حاجتي من خيوط الصوف، حتى لا أضطر لمقابلة من لا أرغب، أو لقطعت الشارع للسيرعلى الرصيف المقابل وتحت أشعة الشمس الحارقة، لا أحب مقابلة الناس الذين لا أعرفهم أو الذين لا أستريح لهم، علمتنا والدتنا وإخواني شددوا عليّ بعدم التحدث مع الغرباء في الشارع العام، بصراحة لم أكن أكره سليمان، لكن تردده على منزلنا في الشهور الأخيرة بسبب أو بدون سبب، وحجته أن والده يمت بصلة قرابة بعيدة لوالدي، ثم إن أسرتنا لاحظت أنه أبدى اهتماماً كثيراً بشقيقتي الأكبر وكانت غير متزوجة، ليس لديّ مبرر لأنني نفرت منه ومن ذوقه برغم ذكائه وحذقه في الكلام والحديث، جريء في أحاديثه مع الرجال ومع البنات والنساء على حد سواء، قال عن شقيقتي إنها أكثر جاذبية مني، ربما لأنني كنت أبدو أقصر قليلاً منها، أو لطبيعة الشك والتردد والحذر عندي، قدرت أن لا مستقبل له في بيتنا لا مع أختي ولا معي، فلماذا أهتم به؟ لهذا لم أقلق حين أوقفني في الشارع، لتعريفي بقريبه، تصورت الناس ينظرون لي، ولا أريد أن يراني أحد أكلم شباباً غير معروفين لأهل الحارة، وخاصة مع أقوال عن انتشار فساد نساء وبنات فلسطينيات وغجريات على حافتي السيل بسبب الزحام وتلاصق الخيام، شاهدت الكثيرات منهن يطرقن أبواب البيوت متسولات، وإذا وجدن شاباً أو رجلاً دون زوجة استقبلن مغازلاته، ولم يكن يهمنا أن نعرف هل هم حقاً فلسطينيون أم عائلات عابرة استغلوا الهجرة وفوضى الزحام والفقر، فاختلطوا بالفلسطينيين لمصلحتهم وجاوروهم لأهداف أخرى كثيرة قد لا نحصيها.
أحسست بالضيق من التوقف في الشارع، ألتفت يميناً ويساراً، قال لي سليمان حين لاحظ ذلك
- أراك قلقة، أو أنك مستعجلة وعندك موعد مهم؟
اضطررت أن أبتسم، ولو كنت في بيتنا لسخرت منه ومن كلامه، وسأتندر عليه أمام أخواتي أو إخواني أو نساء إخواني، مع أن في داخلي تراكمات من الأسرار والمشاكل والتأوهات، لا أعتقد أنها سيتاح لها أن تقال مستقبلاً، لطبعي الكتوم أولاً، ولاعتقادي أن لا فائدة من طرح همومك وأسرارن على الناس ثانياً، فإن لم يزيدوك هماً وفضائح، فلن يرشدوك إلى طريق حق، كنت أفتقد الصديقات، ولا أجرؤ على قول أنني تمنيت أن يكون لي صديق، مع أن ذلك كان حلماً، بل هو حلم كل فتاة بعد بلوغ الرابعة عشرة من عمرها، لكن ذلك كان تابو في مجتمعنا وحسب عاداتنا، أدرت وجهي صوب زكـي، وقرأت تذمراً يتفاعل في داخله من مضايقة رفيقه سليمان لي، ارتحت تلك اللحظة، فأجبت سليمان وعيناي صوب زكي
- أنا ذاهب لشراء حاجات من السوق ، فهل أنت ذاهب لم






















